الشوكاني

382

فتح القدير

سورة عبس ( 12 - 42 ) قوله ( عبس وتولى ) أي كلح بوجهه وأعرض . وقرئ عبس بالتشديد ( أن جاءه الأعمى ) مفعول لأجله : أي لأن جاءه الأعمى ، والعامل فيه إما عبس أو تولى على الاختلاف بين البصريين والكوفيين في التنازع هل المختار إعمال الأول أو الثاني ؟ . وقد أجمع المفسرون على أن سبب نزول الآية : أن قوما من أشراف قريش كانوا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد طمع في إسلامهم ، فأقبل عبد الله بن أم مكتوم ، فكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقطع عليه ابن أم مكتوم كلامه ، فأعرض عنه فنزلت ، وسيأتي في آخر البحث بيان هذا إن شاء الله ( وما يدريك لعله يزكى ) التفت سبحانه إلى خطاب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن المشافهة أدخل في العتاب : أي أي شئ يجعلك داريا بحاله حتى تعرض عنه ، وجملة ( لعله يزكى ) مستأنفة لبيان أن له شأنا ينافي الإعراض عنه : أي لعله يتطهر بالذنوب بالعمل الصالح بسبب ما يتعلمه منك ، فالضمير في لعله راجع إلى الأعمى ، وقيل هو راجع إلى الكافر : أي وما يدريك أن ما طمعت فيه ممن اشتغلت بالكلام معه عن الأعمى أنه يزكى أو يذكر ، والأول أولى . وكلمة الترجي باعتبار من وجه إليه الخطاب للتنبيه على أن الإعراض عنه مع كونه مرجو التزكي مما لا يجوز . قرأ الجمهور " أن جاءه الأعمى " على الخبر بدون استفهام ، ووجهه ما تقدم . وقرأ الحسن " آن جاءه " بالمد على على الاستفهام ، فهو على هذه القراءة متعلق بفعل محذوف دل عليه عبس وتولى ، والتقدير آن جاءه الأعمى تولى وأعرض ، ومثل هذه الآية قوله في سورة الأنعام - ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي - وكذلك قوله في سورة الكهف - ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا - وقوله ( أو يذكر ) عطف على يزكى داخل معه في حكم الترجي : أي أو يتذكر فيتعظ بما تعلمه من المواعظ ( فتنفعه الذكرى ) أي الموعظة . قرأ الجمهور " فتنفعه " بالرفع ، وقرأ عاصم ابن أبي إسحاق وعيسى والسلمي وزر بن حبيش بالنصب على جواب الترجي ( أما من استغنى ) أي كان ذا ثروة وغنى ، أو استغنى عن الإيمان وعما عندك من العلم ( فأنت له تصدى ) أي تصغي